محمد بن وليد الطرطوشي
316
سراج الملوك
الباب السادس والثلاثون في بيان الخصلة التي فيها غاية كمال السلطان ، وشفاء الصدور ، وراحة القلوب ، وطيبة النفوس اعلم أيها الملك : انه متى كملت فيك الخصال المحمودة ، والأخلاق المشكورة ، والسّيرة المستقيمة ، وملكت نفسك ، وقهرت هواك ، ووضعت الأشياء مواضعها ، ثم أن الرّعية اهتضمت حقّك ، وجهلت قدرك ، ولم توفّك حظك ، فبلغك منهم ما يسوؤك ، ورأيت منهم ما لا يعجبك ، فاعلم أنّك لست بإله ، فلا تطمعنّ أن يصفو لك منهم ما لا يصفو منهم للإله . وفصل الخطاب في هذا الباب : أن تعلم أنّ الله تعالى خلق الخلائق أجمعين ، وأنعم عليهم بأنواع النّعم ، فأكمل حواسّهم ، وخلق فيهم الشهوات ، ثم أفاض عليهم نعمه ، وكملت لهم اللّذات ، وبعد هذا : فما قدروا الله حق قدره « 1 » ولا عظّموه حق عظمته ، بل قالوا فيه ما لا يليق به ، ووصفوه بما يستحيل عليه ، وأضافوا إليه ما يتقدّس عنه ، وسلبوه ما يجب له من الأسماء الحسنى ، والصّفات العلى ، فمنهم من قال : هو ثالث ثلاثة ، ومنهم من قال : له زوجة ، ومنهم من قال : له ابن ، ومنهم من قال : له البنات ، ومنهم من يجسّمه ، ومنهم من يشبّهه ، ومنهم من أنكره رأسا وقال : ما للخلق صانع ، كما حكاه الخالق عنه ، فقال : نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [ الجاثية : 24 ] ، وهو مع ذلك يحييهم ويبقيهم ، ويصحّ أجسامهم وحواسهم ، ويرزقهم ، وينعشهم ، ويقضي مآربهم وأوطارهم ، ويمتّعهم متاعا حسنا ويبلغهم آمالهم في معظم ما يحتاجون إليه ، فمعاصيهم إليه صاعدة ، وبركاته عليهم نازلة ، كلّ يعمل على شاكلته ، وينفق مما عنده ، وكل ذي حال أولى بها . وفي مناجاة موسى عليه السلام : انّه قال : إلهي أسألك أن لا يقال فىّ ما ليس فىّ ، فأوحى الله تعالى إليه : ذلك شيء ما فعلته لنفسي ، فكيف أفعله بك ؟ وفي هذه السيرة عبرة لمن اعتبر ، وذكرى لمن ادّكر ، مع أنك إن التمست رضا جميع الناس ، التمست ما لا يدرك ، وكيف يدرك رضا المختلفين ؟
--> ( 1 ) قال تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ سورة الأنعام : 91 ] .